كتب إسماعيل النجار،
اليمين المسيحي المتطرف نَسيَ تاريخه وأخطأَ مجدداً في الحسابات!.
*منذ سنوات، ولا زال الخطاب السياسي الصهيومسيحي يتكرَّر على ألسِنة قادة اليمين المتطرف!.
*مطلبٌ واحد يُقدَّم بوصفه مدخلاً وحيداً لبناء الدولة “نزع سلاح حزب الله”.
ويكاد هذا الشعار يتحوّل لدى بعض قوى اليمين المسيحي إلى عنوان وجودي،
فيما يغيب سؤالٌ بديهي هل يمكن لعاقل قراءة مسألة السلاح خارج سياق التاريخ اللبناني نفسه؟
*إن التيار الذي يُصنَّف تاريخياً ضمن “اليمين المسيحي" ممثلاً بأحزاب مثل حزب الكتائب اللبنانية وحزب الوطنيين الأحرار الذي نشأ منذ تأسيس لبنان الكبير عام 1920 على رؤيةٍ كِيانية ترى في لبنان مشروعاً مغايراً لمحيطه العربي، ومتّكئاً على ضمانات خارجية.
هذا الخيار لم يكن خطيئةً بحد ذاته، لكنه أسّس لانقسامٍ بنيوي بين “لبنان الرسالة الغربية” و”لبنان العربي”.
*سيرة حياة هؤلاء بدأت من 1958 إلى 1975 عبر الاستقواء بالخارج
*ففي أزمة 1958، طلب الرئيس كميل شمعون إنزال قوات المارينز الأميركية على شواطئ بيروت.
ولم يكن التدخل الأميركي حينها تفصيلاً عابراً، بل إعلاناً صريحاً أن جزءاً من الطبقة الحاكمة مستعدّ للاستقواء بالخارج لحسم أي نزاعٍ داخلي.
*وفي عام 1969، جاء اتفاق القاهرة لينظّم الوجود الفلسطيني المسلح، في ظل عجز الدولة وانقسامها.
اعترضت قوى إسلامية بشدّة، معتبرة الاتفاق مساساً بالسيادة.
لكن الاعتراض لم يترافق مع مشروعٍ إصلاحي شامل يعالج جذور الأزمة، بل تراكم الاحتقان وصولاً إلى الانفجار.
*مجزرة بوسطة عين الرمانة في 13 نيسان 1975، والتي اتُّهمت بها عناصر من حزب الكتائب اللبنانية، شكّلت الشرارة المباشرة للحرب الأهلية.
والحرب، كما أثبتت وثائقها، لم تكن مؤامرة فريقٍ واحد، لكنها كشفت استعداد جميع الأطراف بمن فيهم اليمين المسيحي لاستخدام السلاح في الداخل.
فعقدوا تحالفات متقلّبة مه سوريا وإسرائيل، ففي عام 1976، دخل الجيش السوري لبنان بطلب رسمي من الموارنة، ورحّبت به أطراف مسيحية لوقف تقدّم القوى الفلسطينية اليسارية. لكن التحالف انقلب لاحقاً إلى صراع دموي بين الجيش السوري واليمين المسيحي المسلح بقيادة بشير الجميِّل.
*عام 1982، خلال الاجتياح الإسرائيلي، تعاونت قوى مسيحية مسلحة مع الجيش الإسرائيلي، وانتُخب بشير الجميل رئيساً قبل اغتياله.
ثم وُقّع اتفاق 17 أيار 1983 في عهد أمين الجميل، قبل أن يسقط تحت ضغط داخلي وإقليمي.
وفي تلك المرحلة، استُدعي الدعم العسكري الأميركي مجدداً، ووصل الأمر إلى قصف من البوارج الأميركية خلال معارك 1983–1984. فهل كان السلاح الخارجي آنذاك مشروعاً، ويغدو اليوم محرّماً فقط عندما يكون في يد طرف آخر؟
*جاءَ إتفاق الطائف ليعيد إنتاج وتوزيع السلطة وتوزيع الصلاحيات، فقلّص سلطات رئيس الجمهورية الماروني، وكرّس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين.
لم يُلغِ الطائف الطائفية السياسية، لكنه أنهى الحرب وفتح باب إعادة بناء الدولة. ورغم تغيّر موازين القوى الديموغرافية والسياسية، بقي النظام قائماً على تقاسم طائفي يضمن حضوراً مسيحياً وازناً في مؤسسات الدولة. ومع ذلك، يتكرّر خطابٌ يعتبر أن الخلل الوحيد في الدولة هو سلاح حزب الله.
*إن المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة مبدأ سيادي مشروع من حيث المبدأ.
لكن المشكلة تكمن في انتقائية الذاكرة السياسية.
فحين يطالب بعض اليمين المسيحي الشيعة بتسليم سلاحهم فوراً، من دون رؤية دفاعية وطنية بديلة، ومن دون معالجة جذور الصراع مع إسرائيل، فإن السؤال يصبح هل المطلوب بناء دولة جامعة، أم إعادة صياغة ميزان القوى الداخلي؟
*لقد نشأ سلاح حزب الله في سياق الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان بعد 1982، واستمرّ تحت عنوان الردع.
يمكن نقد دوره الداخلي أو الإقليمي، ويمكن مناقشة مستقبل سلاحه في إطار استراتيجية دفاعية وطنية.
لكن تجاهل أن معظم القوى اللبنانية حملت السلاح يوماً ما، واستعانت بالخارج، يجعل الخطاب الحالي فاقداً لجزءٍ من صدقيته.
*إن أزمة لبنان ليست أزمة سلاحٍ واحد، بل أزمة نظام طائفي مأزوم، واقتصاد ريعي منهار، ونخب سياسية من مختلف الطوائف استثمرت في الانقسام وإقامة دويلات بدل الدولة.
المطلوب ليس شيطنة طائفة، ولا تبرئة أخرى، بل قراءة صريحة للتاريخ للواقع، تؤكد أن كلّ من حمل السلاح في الداخل، وكلّ من استدعى الخارج، ساهم في إضعاف الدولة. وكلّ دعوة لنزع سلاحٍ من دون مشروع وطني جامع، تبقى خطوة ناقصة، وربما استفزازية، في بلدٍ لم يتعافَىَ بعد من جراح حربه الطويلة.
الصهيونية المسيحية سبب خراب لبنان.
بيروت في،، 22/2/2026



